انطلاقة قوية للشطرنج النسائي في موناكو وتعديلات جوهرية في لوائح الاتحاد الدولي

انطلاقة قوية للشطرنج النسائي في موناكو وتعديلات جوهرية في لوائح الاتحاد الدولي

مع بداية العام الجديد، تتجه أنظار عشاق الشطرنج نحو إمارة موناكو، وتحديداً مونت كارلو، التي تستضيف بطولة أوروبا للشطرنج السريع والخاطف للسيدات لعام 2025. الحدث المرتقب سينطلق في الفترة من 8 إلى 12 يناير 2026، وسط مشاركة قياسية وتوقعات بمنافسات شرسة. البداية ستكون مع بطولة الشطرنج الخاطف (Blitz) يوم 9 يناير، والتي ستُلعب وفق النظام السويسري من 13 جولة، بزمن قدره 3 دقائق لكل طرف مع إضافة ثانيتين لكل نقلة. ولن يطول الانتظار حتى تبدأ منافسات الشطرنج السريع (Rapid) يومي 10 و11 يناير في نفس القاعة بفندق نوفوتيل، حيث ستخوض اللاعبات 11 جولة بزمن 15 دقيقة مع إضافة 10 ثوانٍ.

جوائز ضخمة ومشاركة قياسية

اللافت في هذه النسخة هو الإقبال الكبير الذي حطم الأرقام القياسية السابقة، حيث سجلت 154 لاعبة من 32 اتحاداً في منافسات السريع، و145 لاعبة في الخاطف. قائمة المشاركات تعج بالأسماء الكبيرة والمصنفات الأوائل عالمياً، تتقدمهن الأسطورة ألكسندرا كوستنيوك، والجورجية نينو باتسياشفيلي، والبلغارية أنطوانيتا ستيفانوفا، والأوكرانية آنا أوشينينا. هذا الحضور القوي يتناسب مع حجم الجوائز المرصودة التي يبلغ مجموعها 46,500 يورو، خُصص منها 31,300 يورو لبطولة السريع، و15,200 يورو لبطولة الخاطف. ويمكن للجماهير متابعة البث المباشر والتعليق التحليلي عبر قناة الاتحاد الأوروبي للشطرنج على يوتيوب.

ثورة في لوائح الاتحاد الدولي (فيديا)

وبينما تستعد اللاعبات للمنافسة في موناكو، كان الاتحاد الدولي للشطرنج (FIDE) يضع اللمسات الأخيرة على تغييرات هيكلية ستغير وجه اللعبة في العامين القادمين. فقد أقر مجلس الإدارة في 26 ديسمبر 2025 لوائح جديدة لنظام “حلبة الفيد” (FIDE Circuit) لعامي 2026 و2027، والتي دخلت حيز التنفيذ رسمياً في الأول من يناير 2026. التغيير الأبرز هو التحول من النظام السنوي إلى دورة ممتدة لعامين، حيث سيتم دمج نتائج الموسمين في تصنيف واحد موحد. وسيتم احتساب النقاط النهائية للاعب بناءً على أفضل 12 نتيجة حققها خلال هذه الفترة، مع وضع ضوابط لضمان التوازن؛ إذ لا يُسمح باحتساب أكثر من 4 بطولات سريعة أو خاطفة ضمن المجموع النهائي، وهو ما يعزز مكانة الشطرنج الكلاسيكي كركيزة أساسية للمنافسة.

فرص جديدة للتأهل ومسار “الدائرة المفتوحة”

التعديلات لم تتوقف عند طريقة الحساب، بل شملت شروط التأهل لبطولة المرشحين 2028. أصبح لزاماً على اللاعب أن يتضمن سجله 8 بطولات مؤهلة على الأقل، منها 5 بطولات بنظام اللعب الكلاسيكي. ولأول مرة، تم تقديم تصنيف فرعي جديد تحت اسم “الدائرة المفتوحة” (Open Circuit)، يركز حصراً على البطولات الكبيرة التي يشارك فيها أكثر من 50 لاعباً. وتهدف هذه الخطوة لمنح الفرصة لجميع الأساتذة الكبار للمنافسة على مقاعد في البطولات النخبوية، حيث سيتأهل المتصدرون في هذا التصنيف لفعاليات كبرى مثل “جولة الشطرنج الشاملة”. كما تم تعديل طريقة حساب قوة البطولات لتعتمد على متوسط تصنيف أفضل 12 لاعباً بدلاً من 8، مما يعطي صورة أكثر دقة عن مستوى المنافسة. وأكد أركادي دفوركوفيتش، رئيس الاتحاد الدولي، أن هذه التعديلات تهدف لتحقيق تكافؤ الفرص وزيادة الاعتماد على الجدارة الرياضية في الاختيارات.

روائع عام 2025: عندما يبدع العقل البشري

الحديث عن المستقبل واللوائح الجديدة لا ينسينا الإرث الفني الذي تركه لنا عام 2025، والذي كان حافلاً بمباريات للتاريخ. ورغم أن البطولات الكلاسيكية مثل “تاتا ستيل” وكأس العالم قدمت مواجهات لا تُنسى، إلا أن الشطرنج السريع أثبت أنه قادر أيضاً على إنتاج روائع فنية تستحق الدراسة. في قائمة أفضل مباريات العام، نجد تضحيات مذهلة ومعارك تكتيكية معقدة حيث يرقص الملك في وسط الرقعة وسط النيران. قد يختلف البعض حول إدراج مباريات سريعة ضمن “الأفضل”، لكن جمال الفكرة وعمقها غالباً ما يطغى على دقة التنفيذ المطلقة.

دروس من “تاتا ستيل” وإبداعات عبدوساتوروف وهاريكريشنا

من بين أبرز هذه المواجهات، تبرز معركة نوديربيك عبدوساتوروف ضد جوردن فان فوريست في بطولة تاتا ستيل، حيث قدم النجم الأوزبكي أداءً بدقة الآلات ليحسم نقطة المباراة بعد صراع شرس في الافتتاح ووسط اللعب. هذه الوضعيات المعقدة هي مادة دسمة للمدربين لتحليلها مع طلابهم. والمفاجأة في قائمة الأفضل لهذا العام كانت من نصيب المخضرم الهندي بينتالا هاريكريشنا، اللاعب الوحيد الذي حجز مكاناً له بمباراتين فائزتين في القائمة، مقدماً أداءً استثنائياً يجمع بين الإبداع الهجومي والصلابة الدفاعية. إن مراجعة هذه المباريات ليست مجرد متعة بصرية، بل هي درس عميق في استيعاب التطورات الحديثة للعبة، وتذكرنا بأن الشطرنج سيظل دائماً مزيجاً ساحراً من الرياضة والفن والعلم.